محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
24
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
هذا اليوم من الأيام الحارة ، وكذلك تقول : كانت الليلة ليلة باردة ، فتنصب ليلة على أنها خبر كان ، وحكم الخبر أن يتم به الكلام ، ولو قلت : كانت الليلة ليلة لم يكن الكلام تاما ؛ لأن القصد إلى الصفة دون الموصوف ، فكذلك قوله : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً يجوز أن يكون المراد : اجْعَلْ هَذَا البلد بَلَداً آمِناً فتدعو له بالأمن بعد ما قد صار بلدا على ما مثلنا ، ويكون مثل قوله : اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وتكون الدعوة واحدة قد أخبر اللّه عنها في الموضعين . فأما قول من يقول : إنه جعل الأول نكرة ، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ المعرفة كما تقول : رأيت رجلا فأكرمت الرجل فليس بشيء ، وليس ما ذكره مثلا لهذا ، ولا هذا المكان مكانه . الآية الحادية عشرة من هذه السورة مفارقة الآي التي شرطنا الفرق بينها ، فيما خالفها بلفظ يسير من الآية التي بإزائها غير أنها مثلها في التكرير والحاجة إلى ذكر الفائدة في إعادتها وهي قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » . للسائل في ذلك سؤالان : أحدهما : أن تقول : ما فائدة الآية وهي خبر يعلمه المخاطب قبل أن يخبر به ، فلا يستفيد بذكره ما لم يكن علمه قبل ؛ لأنه يعلم أن الأمة التي وصاها يعقوب عليه السّلام قد مضت وانقضت ولها ما كسبت من أجر ، وعليها ما اكتسبت من إثم ، وأن المخاطبين يؤاخذون بعملهم لا بعمل غيرهم ، ولا يسألون عما عمله من تقدمهم . وإذا كان معنى الآية هذا فهو معلوم لكل مميز لا يحتاج إلى استفادته بإخبار مخبر . والسؤال الثاني : هو عن تكرار هذه الآية ؛ لأنها ذكرت في صدر العشر المفتتحة بقوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ « 2 » ثم أعيدت في خاتمة هذه العشر التي تنقطع إلى قوله : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها « 3 » .
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآيتان : 134 ، 141 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 131 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 142 .